في لمح البصر

الدورة الرابعة | 2017

سوق الإنتاج يستهل أعماله في مهرجان أفلام السعودية

تقرير : علي جوهــــر

 

"سوق المنتجين في مهرجان افلام السعودية " مبادرة تتكون ملامحها الأولى لتوثق التواصل و تبادل المعرفة، و منهجية احترافية عملية لتشكيل صناعة الافلام  السعودية وفق المعايير السينمائية العالمية، وخطوة رائدة تأخذ بأيدي المبدعين والمبدعات من صناع الأفلام السعوديين لتدلهم على مكامن جديدة للصناعة.

 

المنتجين و كتاب السيناريو يلتقون معاً و يلتفون مشاركين بعضهم البعض حول المعوقات والصعوبات التي تواجههم وعن همومهم كمنتجين وكتاب سيناريو لتذليل المسافة بينهم. يحللون جماعيا ما يعيق اتصالهم وتمكين تنفيذ أعمالهم التي غيبتها أسباب شتى و متفاوتة، مما يتيح لكتاب السيناريو أن يعيدوا للورق ملمسه والكتابة بالضوء، و للمنتجين أن ينفخوا الروح في الحلم السينمائي و صياغة واقع وفكر جديد.

 

فكرة " سوق المنتجين " ناقشها المخرج والمدير التنفيذي لشركة 32ACTION   طلال عايل مع مجموعة من كتاب السيناريو المشاركين في مهرجان افلام السعودية في دورته الثالثة ضمن حلقة حوارية  في أروقة الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بالدمام على مدار ساعة كاملة يوم السبت 26 مارس 2016م. أوضح عايل بأن 32ACTION ستتبنى بالشراكة مع المهرجان ثلاثة من النصوص المشاركة في مسابقة السيناريو هذا العام وتقدم لها منحة إنتاجية تبدأ بورش السيناريو التي سيشارك فيها كاتب النص مستعيناً بمنتجين ومخرجين وكتاب سيناريو، وتنتهي بتنفيذ الفيلم وتقديمه للعرض أول مرة في الدورة القادمة من مهرجان أفلام السعودية. "السوق" هو خطوة أول  ستقدمها الشركة حسب اتفاقية مع المهرجان لتوثيق الرابطة بين المنتجين و كتاب السيناريو.

 

ثمة عقبات تواجه ناسجي اللغة و الصورة كتاب السيناريو في تسويق أو تنفيذ نصوصهم مما يجعلها مهملة وحبيسة الأدراج لفترات زمنية طويلة قد تصل إلى خمس سنوات، إذا لم يكن الحبس أبدياً. يعزو كتاب السيناريو ذلك الى قائمة طويلة من الأسباب ومنها غياب التمويل الإنتاجي الذي يوازي النص، وأن معالجة النص و آليات المعالجة لا تتوفر لكاتب النص، بالإضافة إلى انعدام الثقة بقدرات المخرجين ونرجسية بعض كتاب السيناريو والتكوم على الذات بالتحفظ على مشاركة الآخرين الآراء والأفكار. وجود سوق حقيقي للمنتجين في مهرجان أفلام السعودية  سيكون النافذة التي يتنفس منها كتاب السيناريو وباب الانفتاح على الحلول العملية لكل المعوقات والأسباب المعطلة للنتاج المصقول من خلال ورش عمل للنصوص. اتفق الحضور على الحاجة إلى المعالجة والتخطيط والبناء التام للنص، الأمر الذي ينتج عن خطوات ومراحل مدروسة تضمن ناتج إبداعي يكفل الرضا لكاتب السيناريو والمنتج مع حفظ  كامل الحقوق الأدبية والمادية لكلا الطرفين. سيسهم "السوق" في ربط الكتاب مع شركات الإنتاج في جميع مناطق المملكة من خلال تأسيس قاعدة بيانات شاملة في عملية تبادلية واسعة توصد بوابات الأعذار. فيما اختلف الحضور حول بعض أسباب تعذر تسويق نصوصهم إذ صرّح بعض الحضور بأن أغلب المخرجين لا يحبذون فكرة التعاون مع كتاب من خارج دوائرهم الخاصة، بينما أبدى محمد المصري –أحد المشاركين في مسابقة السيناريو- اعتراضه متكلماً عن تجربته الشخصية عندما كان يبحث عن سيناريو لينتجه لكن دون أن يجد. هنا اتفق الجميع على ضرورة إيجاد حلقة وصل بين المنتجين والكتّاب.

 

التخطيط المستفيض للنص قبل تنفيذه والتعاون على مستوى العصف الذهني في صقل فكرة ما، بديهيات أساسية ولازمة شدد عليها طلال عايل، وورش السيناريو هي مكمن الخروج بعمل متكامل، وتكلم عن سيناريو فيلم "وجدة " الذي مر بخطوات و مراحل تهذيب وتشذيب لمدة أربع سنوات قبل التنفيذ.

 

يرى عايل بأن "قوة اللغة البصرية والإمكانات في مجالات المؤثرات الصوتية والتقنية في تنفيذ بعض الأفلام السعودية يقابله ضعف جلي في السيناريو والمحتوى، ومرجع ذلك هو غياب الصناعة  التي تفرض الحتمية في ابتكار و إيجاد منافذ مثل مبادرة سوق المنتجين الذي سيكون موجه بشكل خاص  لتقوية محتوى ونص المادة الفيلمية المقدمة وتجويد معايير كتاب السيناريو، و توسيع دائرة التواصل على الرقعة الجغرافية للمملكة العربية السعودية بين كتاب السيناريو والمنتجين"

 

على هامش لقاء سوق الإنتاج، حاورنا الكاتب فيصل العامر، عضو لجنة تحكيم مسابقة السيناريو، الذي كان أحد حضور اللقاء.

 

  • يقال : " مشاهدة فيلم تشبه حلم يقظة "  فماذا تشبه المشاركة في مهرجان أفلام السعودية ؟

 

في الحالة السعودية بالذات كل شخص يستطيع أن يساهم في دفع عجلة الفن المتعطلة منذ سنوات فهو يصنع تاريخ صناعة الأفلام، و عني شخصياً وعن بقية الزملاء، نحاول أن نساهم ليكون المهرجان واجهة حقيقية لصناعة الفيلم السعودي. فوجودنا في المهرجان ببساطة يشبه وجودنا داخل مصنع، داخل خط إنتاج من الألف إلى الياء. وجودنا  في هذا الزمان و في هذا المكان شيء عظيم جداً.

 

  • من المهم بالنسبة للسينما أن تعرض لنا واقعاً جديدا، بمعنى أنها تنشئ تفكيراً جديدا وحياة وعواطف جديدة .. فهل ما نشهده من أفلام لصناع شباب و شابات بهذا الكم و النوعية شاهد على واقع جديد و بشكل أدق مؤشر على ميلاد صناعة سينمائية و دور سينما ؟

 

قبل كل شيء هو توق الإنسان الطبيعي للفنون و مهما كانت العوائق و"التابوهات" التي يخشى منها أي مبدع. حيث تكثر لدينا بشكل مبالغ فيه الخطوط الحمراء. وبالأخير هناك قرارات لا يملك صناع الأفلام البت فيها، لكن الأهم من هذا هو صنع ثقافة لأهمية الفن و لأهمية السينما في وعي الإنسان السعودي. يهمني  تصحيح المفهوم السينمائي عند رجل الشارع المخدوع بالشائعات عن السينما. خطوة مثل مهرجان أفلام السعودية تجعل هذه الثقافة موجودة بشكل واقعي  و حقيقي ليست شيء افتراضيا أو حلماً .

 

  • هل يوجد منتجين للأفلام في المملكة العربية السعودية ؟

 

من الإجحاف أن نقول قطعاً بعدم وجود منتجين. لكن المنتج السعودي كأي منتج يفكر في القيمة العائدة من صنع فيلم. فمهما كان توقه لصناعة الأفلام يظل مع الوقت يبحث عن مردود مادي لفيلمه، و مع تعاقب الوقت إذا لم يتحقق هذا المردود فقد يتخلى عن هذه الرغبة و التوجه.

 

  • خلال ندوة " سوق المنتجين " لكتاب السيناريو مع المخرج طلال عايل، تطرق كتاب السيناريو لقائمة من المشاكل التي يواجهونها، و منها معالجة النص و التمويل الإنتاجي أو نرجسية بعض الكتاب و الشللية بين بعض المخرجين و اقتصارهم التعاون مع بعض الكتاب دون غيرهم، أو عدم استيعاب و فهم المخرج للسيناريو المكتوب . ككاتب سيناريو برأيك ما الحلول المتاحة لكل هذا الكم من  المشاكل ؟

 

من الملاحظ أنه قد لا يكون المخرج مخرجا حقيقيا و قد لا يكون الكاتب كاتبا. هناك خلط للأدوار و هذا نتيجة لغياب المعاهد المتخصصة التي يمر من خلالها الصانع لصقل موهبته أو الخروج من الساحة أن لم تكن هناك موهبة أصلا،  فربما يكون المخرج ولد كاتبا و لكنه أصبح مخرجا تبعاً لظنه ، فهذا التداخل جعل الصناعة لدينا مشوهة ، إضافة إلى أن كاتب السيناريو هو الذي يقف عادة خلف العمل الفني و رغم ذلك نجده مغيباً و لا يظهر اسمه بطريقة تليق بصانع محتوى العمل. بالتالي يهرب ليختار عمل آخر داخل خط الإنتاج الفني سواء كمخرج أو ممثل و هو في حقيقة الأمر ليس بممثل ليبحث عن شهرة يفتقدها و هو كاتب و هذه إحدى المشاكل التي تواجه  الكتاب .

 

  • لاحظنا أفلام يتكرر فيها اسم واحد كمخرج و كبطل للفيلم و مونتير و كاتب سيناريو ..إلخ ، ألا يؤثر ذلك على جودة المنتج ؟

 

يؤثر ولا شك. ربما أتفهم أن يكون الكاتب هو المخرج و الممثل لكن في حالات نادرة إذا أثبت فرادة عظيمة جدا في الكتابة و التمثيل و الإخراج كل على حدة. جزء من المشكلة هو عدم وجود رابطة أو نقابة أو مكان أو زمان كحالة مهرجان أفلام السعودية و ذلك نادر، للأسف لا يوجد المكان الذي يجمع الصناع ليتعارفوا و يتعلم بعضهم من الآخر بالاحتكاك . و عني شخصياً، أنا غير مهتم بمتابعة مئة فيلم كلها عبارة عن تجارب هواة و أقصد بمعنى هواة ليست مجرد  صفة بل اقصد بأن الصانع لا يعرف كيف يكتب و لا يمتلك أبجديات الصناعة . و لكي نكون بعيدين عن التشاؤم و التبرير بعدم وجود مكان أو زمان لاكتساب مهارات صناعة الأفلام ، هناك مواقع الانترنت في الاستطاعة التعلم منها و كمصدر تغذية رغم أنها حالة غير صحية ، لكن في الحالة السعودية هي حالة ضرورية . إذا اجتمعت النواقص بكثرة فحتما مع مرور الوقت سيجعل ذلك المشاهد ينزع الثقة في صناع الأفلام السعودية لأنه يرى منتجات رديئة جدا كل مرة .  نعرف أن الفن تجريب، لكن عندما تصل الأمور إلى المشاركة في مهرجان فهنا نحن نتحدث عن نتائج ، فعليه أن تُحسب النتائج هذه بعناية ، و لصانع الأفلام أن يجرب قبل أن يعرض منتجه الفني لعشرات الآلاف حتى يصل إلى حالة نضج معينة بدون أي عجلة لمجرد الظهور

 

  • يعتزم مهرجان أفلام السعودية إطلاق مبادرة تأسيس سوق للمنتجين موجه بالتحديد لكتاب السيناريو، بهدف تحقيق ذلك في الدورة القادمة، برأيك هل هذه الخطوة  و المبادرة ستصنع الفارق؟

 

فكرة عظيمة جداً. أسعدني جداً وجود جوائز للسيناريو في مهرجان أفلام السعودية فوجود جائزة للسيناريو دلالة على وعي. و ضاعف سعادتي وجود لا يقل عن سبعة نصوص من أصل 55 سيناريو جيدة جدا و جاهزة للإنتاج ومتى ما وجد لها تنفيذ مبدع ستصنع فارق في الفيلم السعودي ، و لا أخفي أني لم أكن متفائل قبل ذلك و لكن بعد اطلاعي على النصوص المقدمة فأنا متفائل جداً .

 

  • كلنا شاهدنا  سواء في هذه الدورة أو الدورة السابقة لغة بصرية قوية و إمكانات و مؤثرات صوتية باهرة و تقنيات متقدمة في صناعة الأفلام ، لكن لا يزال محتوى و سيناريو  الفيلم السعودي ضعيف  مما يثير علامات الاستفهام و التعجب . ما المشكلة ؟

 

الإبهار التقني الذي نراه مجرد تقنية و مؤثرات لها مبدعيها ، أما كتابة السيناريو فتحتاج كاتب سيناريو مبدع بكل تفاصيل النص ، بدء بالفكرة ، الحوار و السيناريو . الجيد في الأمر هو أن كاتب  السيناريو بطل بالضرورة لأنه ببساطة هو يتعامل مع صورة داخل النص و يتعامل مع تكنيك داخل النص و ذلك عمل شاق حقيقةً، و ربما ذلك يكون أحد الأسباب التي تجعل ما يفترض أنهم كتاب يهربون من هذا العمل. إحدى المشاكل الأخرى هي القدرة على التعبير بالكتابة التي لا يمتلكها الكاتب فنجده يتراجع عن هذه الخطوة لأنها تحتاج مجهود تعبيري عظيم فيلجأ للصوت و الصورة كمنفذ . أعتقد أن كاتب السيناريو هو بمثابة حكواتي ، و إحدى النقاط التي يغفل عنها الغالب هو عدم الاحتفاء بالكاتب كالاحتفاء بالممثل على سبيل المثال و الذي قد يكون أسوء ممثل على مر الزمان . مهما كان الكاتب جيد سوف ينطفئ في حال عدم إحساسه بالقيمة أو حتى التقدير المادي. ي نفس السياق هناك الكاتب الذي يتكوم على ذاته و ينطوي على نفسه و يضع كتبه على بعض و لا يرى احد و يطلق على نفسه مبدعاً، فكيف لنا أن نعرف عن كاتب مبدع لا نراه و لا نعرف عنه شيء؟! فالنص الذي لا يُقرا من الناس  هو نص غير مهم. ومشكلتنا كمجتمع أننا نهتم بشكليات الناس و مراكزهم أكثر من أي شيء آخر و هذا يسبب عامل طارد لكثير من الكتاب حين لا يقدر و لا يحس المجتمع بوجودهم .

 

  • هل تجيز ككاتب التوغل و الدخول في تفاصيل إنتاج الفيلم من بداية كتابة السيناريو حتى آخر مراحل إنتاج المادة الفيلمية ، أم تكتفي بكتابة السيناريو و تسليمه للمخرج ليصوغ رؤيته الإخراجية دون أي تدخل ؟

 

اعتقد أن كل مخرج بداخله كاتب صغير و كل كاتب بداخله مخرج صغير بالضرورة ، لان الكاتب يمارس جزء من الإخراج و هو يكتب ، و كلما كبر المخرج داخل الكاتب كلما زادت التفاصيل في نصه ، و هذا ينطبق على المخرج في المقابل . و للمخرج الحق بالتعديل فيما يراه من الناحية الإخراجية دون أخذ السيناريو إلى منطقة أخرى تختلف عن رؤية  الكاتب ، و مع طرح النقاش و التفصيل حول النص من قبل المخرج و الكاتب لجعل النص مدهش أكثر .

 

  • هل تعتقد أننا مؤهلين لفكرة سوق المنتجين ، بمعنى هل يجد المنتج المخرج و الكاتب و المصور و المعدات و المصممين و الإمكانيات اللازمة ؟

 

نستطيع أنتاج فيلم سعودي عظيم، وفي  نفس الوقت نستطيع إنتاج ألف فيلم سيء. دائما أقول أن السعودي عندما يبدع لا يشبهه شيء ، لكن أين نجد المبدع و كيف نغري المبدع بأهمية المجال هذا  على كل صعيد  و حتى على الصعيد المادي. مخطئ من يعتقد أن التحدث مبكراً في هذا الشأن شيء خاطئ ، فعندما نتحدث عن صناعة حقيقية و ليست عبثية فلابد من مردود، فمهما كنا نقدس الفن سنتعثر و نصاب بالخيبة التي تؤثر على العمل حال عدم وجود أي مردود مادي، وبالتالي سنصنع فيلم سعودي جيد من الألف الى الياء عندما يكون المبدع مرتاحاً داخل العملية الفنية.