في لمح البصر

الدورة الرابعة | 2017

مسعود أمر الله: الشغف وحده لا يكفي.. والفيلم السعودي بدأ يحتل المراتب الأولى خليجياً

يتواجد حالياً في الدمام لحضور مهرجان «أفلام السعودية»..

مسعود أمر الله: الشغف وحده لا يكفي.. والفيلم السعودي بدأ يحتل المراتب الأولى خليجياً

 

الدمام – حاوره: علي سعيد

    الاصغاء إليه ارتحال في عوالم الفن السابع. كيف لا يكون ذلك وهو على الأغلب، الوحيد الذي يحتفظ بذاكرة موسوعية لتاريخ صنّاع الفيلم في منطقة الخليج العربي، كلاً على حدة، إنه مسعود أمر الله أو الأب الروحي للسينما الخليجية كما يفضل شباب الأفلام أن يسموه. وأيضاً مدير مهرجان دبي السينمائي الذي يتواجد حالياً كضيف شرف في مهرجان أفلام السعودية. لذا الحديث مع أمر الله، هو بلا شك، نزهة لا تفوّت بين الأفكار والمساحات الرحبة من الوعي السينمائي العالي والتجربة في التغيير، يكفي أن نتذكر الأثر الكبير الذي أحدثه تدشينه مهرجانات السينما في دولة الإمارات الشقيقة وما انعكس هذا التأسيس ليس على الإمارات بل على مجمل الحركة الفيلمية في الخليج العربي. من هنا وجود مسعود أمر الله بيننا، بتجربته السينمائية الكبيرة، هو بمثابة حدث موازٍ لكل أحدث مهرجان أفلام السعودية.

 

* كيف تنظر لعودة مهرجان أفلام السعودية؟

* هذا من الإنجازات المهمة حتى الآن.. بأن يعود بشكل أقوى وراسخ وواضح الأهداف، يريد أن يعطي للمخرج السعودي مساحة مهمة ليس فقط للترويج للفيلم بل أيضاً لخلق علاقة تبادلية مع الآخر. من هنا أعتقد أن وجود هذا المهرجان واستمراريته مهمة جداً ودائماً ما نعول على الاستمرارية لأن مشروع مثل مهرجان أو مخرج بلا استمرارية هو هدر للجهود. فمن المهم أن يستمر هذا المهرجان ومن المهم أن يعطي هذه الشرعية لوجود سينما.

* وجود مهرجان.. ما الذي سيقدمه لصانع الفيلم في السعودية، مباشرة؟

* أعتقد أن الفائدة المباشرة هو الإنتاج، هدف المهرجانات في الأساس نشر ثقافة السينما وعرض الأفلام لكن في غياب كل شيء آخر "من معاهد وتدريب.. إلخ" تصبح هذه المهرجانات كل شيء آخر. وأعتقد أن هذا الأمر خاطئ بأن يتحول المهرجان إلى ورشة أكاديمية يأخذ دورة مدرسة الأفلام ثم دور الناشر وهكذا، نحن عملنا هذا الأمر في مسابقة أفلام الإمارات وفي مهرجان الخليج ومهرجان دبي، ثم تكتشف في النهاية أن المؤسسات الأخرى بدأت تعول عليك والتي هي في الأساس من واجبها في القيام بهذه المهام. بل أحياناً تخرج بتصريحات تتهمك بأنك مقصر. لذا المهرجان يقدم مساحة هامة جداً لعرض الأفلام ولفرز الأفلام ونشر الثقافة وتكوين حالة الاستمرارية في الإنتاج ولكن أن يحمّل المهرجان أكثر مما يحتمل فهذا أمر خاطئ، في مكان ما. لكن لإيمانك بضرورة استمرارية هذه الحركة بشكل أفضل فإنك تذهب لإقامة الورش وتنشر الكتب السينمائية.. الخ. فيغيب الناشر وينتظر أن تقوم أنت بنشر الكتاب السنيمائي وهكذا.

* كيف لاحظت حضور الشباب السعودي في مهرجان الأفلام؟

* من يقطع مسافات هائلة ويأتي من مناطق بعيدة تاركاً عمله وعائلته ومقتطعاً إجازة من أجل المجيء رغم ظروفه الحياتية، مفرغاً نفسه ليأتي كي يجلس في صالة مظلمة، يجب أن ترفع له القبعة. الحضور في صالة العرض السينمائية حضور مبهج تماماً. إنه الشغف الداخلي لشيء تحبه ولذلك تناضل لأجله.

* ربما تكون من القليلين جداً إن لم تكن الوحيد الذي أتيحت له الفرصة لمشاهدة كم هائل من أفلام الخليج، من خلال إدارتك المهرجانات في دبي. ما هي أبرز المشكلات التي تتكرر لدى المخرجين الشباب وتؤدي إلى تأخر تطور الفيلم؟

ربما يكون عدم التهيؤ الكامل لدخول المغامرة. "بمجرد أن يكون عاشقاً للسينما فهو سينمائي" وهذا الأمر غير صحيح لأن كمية من يشاهد السينما أكبر بكثير ممن يصنع الفيلم وبالتالي ليس معقولاً أن يكون كل هؤلاء سينمائيين.

* أي أن الشغف وحده لا يكفي؟

الشغف مهم، لكن لنميز بين شغف المشاهدة وشغف الصناعة. إذا كنت مشاهداً جيداً ليس بالضرورة أن تكون مخرجاً أو تصنع فيلماً، أنت متذوق جميل لكن من يريد أن يصنع فيلماً يجب أن يكون لديه ليس شغف المشاهدة وإنما أيضاً شغف تثقيف الذات سينمائياً. بالنسبة لي لا أؤمن كثيراً بالأكاديميين في السينما. أجل، مهمٌ أن تمتلك أساسيات الأداء التي تستخدمها، الدكتور في الجامعة ليس مخرجاً جيداً وهو دكتور وأكاديمي ومدرس سينما جيد. التعليم مهم ولكن ليس هو المشروع. باعتقادي أن يدخل الشخص لمجال الافلام فإن التثقيف الذاتي أمر ضروري، فمن يريد كتابة السيناريو يقرأ عن السيناريو، يشاهد أفلام، يسجل حوارات ويفرغ مشاهد وهذه هي تلقائية التعليم الفردية التي نحتاجها وتناسب مناطقنا في غياب معاهد وكل شيء، وبالتالي يجب أن تكون أنت معهد نفسك. لذا قبل أن تصنع فيلمك هل تعرف لماذا صنعت الفيلم؟ لو اليوم سألت أغلبهم لماذا تصنع فيلماً، أعتقد أنه سيكون عاجزاً أمام الإجابة. قد يعطيك إجابة لكن تلك الإجابة التي يجب أن تسمعها لن تسمعها. لأنه لا يعرف ما السينما ولماذا يريد أن يستخدم هذه الآداء. فهو وثب للصناعة قبل أن يعرف كنهها وما هي بالضبط. لذا تكوين الذات قبل الدخول في المغامرة أمر مهم. من المهم أن تعرف لماذا السينما وليست الكتابة أو مسرح..الخ. الرسام الذي لا يجيد خلط الألوان سيكون فناناً ضعيفاً وشغله عبثيا. من هنا أدعو من يريد دخول هذا العالم، أن يتسلح أولاً بأدوات صناعة الفيلم قبل خوض المغامرة ومع امتلاك الأدوات ومع الخبرة والبحث والمكابدة ستجد صوتك الداخلي ومفرداتك السينمائية الخاصة. لكن للأسف الدخول إلى الفيلم فقط من أجل الدخول يصنع المزيد من العبث. فبين قطع وآخر في أحد المشاهد ترى من يأخذ لقطة من الأعلى وعندما تسأله عن السبب يجيب أجمل!. متجاهلاً بغير وعي على الأغلب، أنه في علم التكوين الجمالي، كل زاوية لها بعد نفسي وبصري يؤدي دوراً محدداً يكثف ويختصر من الحوار. وهكذا.. تجد تفاصيل تكشف عدم الفهم الكافي خلال عملية صناعة الفيلم.

* انطلاقاً من وجودك المبكر في "مسابقة أفلام الإمارات" وحتى مهرجاني الخليج ودبي السينمائي، أين تضع تجربة المخرجين السعوديين في سياق التجربة الخليجية إن لم نقل العربية؟

في السياق العربي ربما من المبكر، ولكن في السياق الخليجي، أعتقد أن السعودية بدأت أخذ المصاف الأولى، ليس كل الأفلام ولكن بعض الأسماء والتجارب بمنطقة دول مجلس التعاون بدأت تأخذ المصاف الأولى في الترتيب النوعي للأفلام.

* لأنه كان الحاضن الأول لصناع الفيلم في السعودية، ربما يحق لنا أن نسأل لماذا توقف مهرجان الخليج السينمائي؟

لا يزال الحاضن. المهرجان أُجِل لفترة لا أعلمها ومن المجحف أن أجيب أي إجابة لا تمت إلى الحقيقة بشيء، هي فترة إعادة تشكيل الذات وأنا شخصياً أضم صوتي لهم بأن يعود بشكل أقوى ومدروس أكثر. أنظر.. أنا أتوقف عند الرقم "6" لسبب مجهول. "6" دورات مسابقة أفلام الإمارات وأيضاً مهرجان الخليج السينمائي "6" دورات. فبعد ست دورات في مسابقة أفلام الإمارات خرجت بمنطق معين ومختلف نفذته في مهرجان الخليج السينمائي. اليوم نحتاج أن نخرج بمنطق مختلف لمهرجان الخليج.

* هل من أجل ألا يعيد نفسه، كما لاحظت خلال الست دورات؟

هذه إشكالية تكرار الأخطاء، إنها مشكلة عدم وجود بيئة ثابتة. نحن أمام بيئة متغيرة تماماً وما تصححه اليوم، يعود بعد عامين بذات الإشكاليات. هل نريد سينما أم لا نريد؟ هي ضرورية أم لا؟. الكم الهائل ممن يدخلون إلى مجال السينما هل يجدون لهم مكاناً في سياق المجتمع أم لا. إذن على مدى "12" عاماً، أخرجنا "40" مخرجاً (ألم أقل لك صرنا أكاديمية أيضاً في المهرجان)؛ وهؤلاء ال"40" مخرجاً إذا لم يجدوا مكاناً يخرجون فيه أفلاماً فسوف يتجهون للتلفزيون وإلى أماكن أخرى ومن ثم تعيد الكرة مع جيل جديد وينتهون لنفس المصير وتعاد المشكلة. لذلك إذن سيستمر المهرجان بهذه الوتيرة فأنت لا تصنع شيئاً بل تفرخ مرحلياً ثم "تذبحها". لذا نقول إن المهرجان سيفتح الباب لاكتشاف أسماء، وهذه الأسماء تريد أن تدرس وتتعلم ولا تجد معاهد وهي لا تجد أي بيئة تدعمها وتطورها وهي في النهاية تريد أن تعمل، أين تعمل؟ التلفزيون ووسائل الإعلام المختلفة وهكذا نعيد جيلاً جديداً. من هنا التوقف لإعادة النظر والرؤية مهمة لكي لا أُخرِّج مخرجاً يتحول بعد زمن إلى مجال نقيض للفن السينمائي. لكن هناك من بقي يقاوم رغم كل الظروف فهذا من يريد حقاً أن يصنع فيلماً.

* هل تظن أن ليس لدينا ذلك الشخص المغامر الذي يذهب بشغف صناعة الفيلم إلى أبعد مدى؟

ليس لدينا أي شيء. ليس لدينا الشخص المغامر ولا الأب السينمائي. الرياضة لديها آباء ولكن السينما ليس لديها ولا أب. وأعني بالأب ذلك الأب الشرعي والداعم وصاحب القرار. فعندما تلقى الأب ستلقى المنافذ. والمؤسسات الثقافية غائصة في بلادتها وروتينها وبالتالي لن تقوم بعمل أي شيء. وكما قلنا، إن المهرجان صار يقوم بكل الأدوار، فقط للتذكير، أننا في مسابقة أفلام الإمارات وفقط في "6" سنوات أصدرنا "54" كتاباً وليس لدينا حل، من أجل الوصول للآخر وأن يصل بوعيه لما يمكن الوصول إليه.

 

صحيفة الرياض 

http://www.alriyadh.com/1024737